الرهبنة من الدرجة الثالثة: مفهومها وتاريخها في المسيحية

الرهبنة من الدرجة الثالثة: جسر بين الحياة الدنيوية والروحانية
يشير مصطلح الدرجة الثالثة (Third Order) بشكل عام إلى الأعضاء العلمانيين في الجماعات الدينية المسيحية، الذين لا يعيشون عادة في مجتمعات رهبانية مغلقة مثل الأديرة، ولكنهم يمتلكون الحق في ارتداء الزي الديني والمشاركة في الأعمال الصالحة والروحانية الخاصة بتلك الجماعات الكبرى. تعترف الكاثوليكية اللاتينية، واللوثرية، والأنجليكانية بهذا النظام من الرهبنة.

تسمية الدرجة الثالثة والترتيريات
ظهرت الرهبنات من الدرجة الثالثة في القرن الثاني عشر كتكييف للأخويات الرهبانية في العصور الوسطى. ويُعرف أعضاء هذه الدرجة باسم الترتيريات (Tertiaries)، وهي كلمة مشتقة من اللاتينية tertiarius وتعني "الثالث".
تقسيم الرتب الرهبانية
في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كانت الجماعات الدينية تنقسم غالباً إلى ثلاث رتب:
- الدرجة الأولى: الرهبان الرجال، وهم عادة أول من يتم تأسيسهم.
- الدرجة الثانية: الراهبات، اللواتي يتم تأسيسهن في مرحلة لاحقة.
- الدرجة الثالثة: العلمانيون الذين يعيشون في العالم ولكن يتبعون روحانية الجماعة.
على سبيل المثال، أسس القديس فرنسيس الأسيزي "إخوة صغار" (الدرجة الأولى)، و"كلاريسات" (الدرجة الثانية)، و"الدرجة الثالثة للقديس فرنسيس".
الفرق بين الترتيريات النظامية والعلمانية
ينقسم أعضاء الدرجة الثالثة إلى فئتين رئيسيتين:
- الترتيريات العلمانية (Secular Tertiaries): وهم أشخاص يعيشون وفقاً لقاعدة الدرجة الثالثة خارج الدير، في وسط المجتمع والعالم، مما يسمح لمن لا يستطيع دخول الدير لظروف معينة بالتمتع بمزايا الروحانية الرهبانية.
- الترتيريات النظامية (Regular Tertiaries): وهم أعضاء الدرجة الثالثة الذين رغبوا في عيش حياة أكثر انضباطاً ورهبانية، فانضموا إلى معاهد دينية أو "تجمعات" تعيش تحت قاعدة محددة (Regula).
لمحة تاريخية وتطور المفهوم
كانت الأديرة القديمة تمتلك أخويات من الرجال والنساء العلمانيين منذ القرن الثامن، حيث كان الأباطرة والملوك والشخصيات المرموقة ينضمون كأعضاء منتسبين للأديرة البندكتية مثلاً، للمشاركة في التمارين الدينية والأعمال الصالحة دون الالتزام بقاعدة حياة رهبانية صارمة.
ومع ذلك، فإن الجوهر الحقيقي للدرجة الثالثة ظهر كابتكار في القرن الثالث عشر. في تلك الفترة، سعت مجموعات من العلمانيين إلى إصلاح المسيحية من خلال الوعظ، مثل جماعة Humiliati. ومع مرور الوقت، انقسم هؤلاء إلى مجموعة تعيش في الأديرة ومجموعة أخرى بقيت في العالم ولكنها مرتبطة روحياً بالجزء الرهباني، وهو ما شكل البداية الفعلية لمفهوم "الدرجة الثالثة".
انتشر هذا النموذج بشكل واسع في الرهبنة الفرنسيسكانية، ثم تبعتها رهبنات أخرى مثل الدومينيكان، والترينيتاريين، والكرمليين، والأوغسطينيين. يشترك هؤلاء العلمانيون في نفس الروحانية، ويتبعون نفس الرؤساء، وقد يرتدون أجزاء من الزي الديني مثل "السكابولار" (الوشاح الرهباني).
المنظور الحديث والدور العلماني
مع انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني، تم تطوير مفهوم "الدعوة العلمانية". وأصبح من الواضح أن دعوة العلماني تختلف عن حالة التكريس الرهباني الكامل، حيث تكمن قداسة العلماني في تقديس الحياة العادية، والعمل، والحياة الأسرية، مع الحفاظ على الارتباط الروحي بالجماعات الدينية.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الدرجة الثانية والدرجة الثالثة في الرهبنة؟
الدرجة الثانية تتكون عادة من الراهبات اللواتي يعشن حياة تكريس كاملة داخل الدير، بينما الدرجة الثالثة تتكون من العلمانيين الذين يعيشون في العالم ويتبعون روحانية الرهبنة.
هل يجب على عضو الدرجة الثالثة العيش في دير؟
لا، الغالبية العظمى من أعضاء الدرجة الثالثة (العلمانيين) يعيشون في منازلهم ويمارسون أعمالهم اليومية، لكن هناك 'ترتيريات نظامية' يختارون العيش في تجمعات دينية.
من هم الترتيريات (Tertiaries)؟
هم الأشخاص الذين يعيشون وفقاً للقاعدة الثالثة للرهبنات الدينية، سواء كانوا يعيشون في العالم أو في مجتمع ديني.