غوغينغ: من مآسي النازية إلى مركز عالمي للفن الخام
غوغينغ: رحلة من الألم إلى الإبداع
تعد ماريا غوغينغ (Maria Gugging) في ضواحي فيينا بالنمسا موقعاً يحمل تناقضات صارخة في تاريخه؛ فمن كونه مسرحاً لجرائم مروعة خلال الحقبة النازية، تحول إلى منارة عالمية للفن الخام (Art Brut) والعلاج النفسي من خلال الفن.
تاريخ المؤسسة والفظائع النازية
تأسست عيادة ماريا غوغينغ النفسية في عام 1889. ومع صعود النظام النازي، تحول هذا المكان إلى مركز للانتهاكات الجسيمة. وفقاً للمؤرخ هيرويغ تشيك، شهدت غوغينغ بعضاً من أبشع الجرائم الطبية التي ارتكبت في النمسا.
قام الطبيب إميل غيلني بقتل حوالي 400 مريض عن طريق التسمم والصدمات الكهربائية، بينما تسبب الطبيب رودولف لوناور في وفاة 112 مريضاً، معظمهم من النساء، عبر جرعات زائدة من الأدوية. كما توفي العديد من المرضى بسبب الحقن القاتلة، وسوء التغذية، والأمراض المعدية.
كشفت الأبحاث أن ما بين نوفمبر 1940 ومايو 1941، تم نقل 675 شخصاً من العيادة إلى منشأة هارتهايم للقتل بالقرب من لينز، حيث تم إبادتهم في غرف الغاز، وكان من بينهم 116 طفلاً ومراهقاً تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً.
فنانو غوغينغ وظهور الفن الخام
في أواخر الخمسينيات، بدأ الطبيب النفسي ليو نافراتيل في تشجيع مرضاه على الرسم لأغراض تشخيصية. اكتشف نافراتيل مواهب فنية استثنائية في جناحه، وهو ما أكده الفنان الفرنسي جان دوبوفيه، الذي صاغ مصطلح "الفن الخام" (Art Brut) أو فن الهواة.
نُشر كتاب نافراتيل "الفصام والفن" في عام 1965، مما جذب العديد من فناني فيينا لزيارة غوغينغ. وفي عام 1970، أقيم أول معرض لـ "فناني غوغينغ" في أحد صالات العرض بفيينا، ومنذ ذلك الحين، أصبح هؤلاء الفنانون يحظون بتقدير واسع في المتاحف والمعارض العالمية.
بيت الفنانين ومركز الفن الخام
أسس نافراتيل "مركز الفن والعلاج النفسي" في عام 1981، حيث دعا المرضى الموهوبين للعيش في منزل يعمل كمرسم وصالة عرض ومكان للقاء. بعد تقاعد نافراتيل في عام 1986، تولى يوهان فيلاشر القيادة وغير اسم المركز إلى "بيت الفنانين" (Haus der Künstler).
يُعتبر بيت الفنانين نموذجاً أوروبياً للإصلاح النفسي القائم على العلاج بالفن كوسيلة لإعادة دمج المرضى في المجتمع. ويضم الموقع حالياً "مركز الفن الخام" (Art / Brut Center)، الذي يتكون من متحف وصالة عرض ومرسم عام مفتوح للجميع، وخاصة لأولئك الذين يتلقون علاجاً نفسياً.
التأثير في الثقافة الشعبية
في عام 1994، زار ديفيد باوي وبرايان إينو مستشفى غوغينغ لإجراء مقابلات وتصوير المرضى الفنانين. أثرت المواد الفنية التي استخدمها سكان غوغينغ بشكل قوي على استراتيجيات الإنتاج في استوديو باوي وإينو، وألهمت هذه الزيارة جزءاً كبيراً من ألبوم المفاهيم "Outside" الذي صدر عام 1995.
كما استندت مسرحية فيليب فايس "Ein schöner Hase ist meistens der Einzellne" إلى القصة الحقيقية لإرنست هيربيك وأوغست والا، وهما مريضان فصاميان من فناني غوغينغ.
أسئلة شائعة
ما هو الفن الخام (Art Brut) في سياق غوغينغ؟
هو الفن الذي ينتجه أشخاص غير مدربين أكاديمياً، وغالباً ما يكونون من المرضى النفسيين، حيث يتم التعبير عن الإبداع بشكل عفوي وصادق بعيداً عن القواعد الفنية التقليدية.
كيف تحول موقع غوغينغ من مكان للقتل إلى مركز فني؟
من خلال رؤية الطبيب ليو نافراتيل الذي اكتشف المواهب الفنية لمرضاه في الخمسينيات، وبدأ في تحويل العلاج النفسي إلى عملية إبداعية تهدف إلى الدمج الاجتماعي.
من هم أشهر الشخصيات العالمية التي زارت غوغينغ؟
زار الفنان والموسيقي الشهير ديفيد باوي وبرايان إينو المركز في عام 1994، وقد أثرت تجربة زيارتهم على إنتاج ألبومهم الموسيقي Outside.