التاريخانية الجديدة: فهم الأدب من خلال السياق الثقافي
التاريخانية الجديدة: رؤية نقدية تربط الأدب بالثقافة والتاريخ
تُعد التاريخانية الجديدة (New Historicism) شكلاً من أشكال النظرية الأدبية التي تهدف إلى فهم التاريخ الفكري من خلال الأدب، وفهم الأدب من خلال سياقه الثقافي. تتبع هذه النظرية مجال "تاريخ الأفكار" الذي ظهر في الخمسينيات، وتعرف نفسها بأنها نوع من الشعريات الثقافية. ظهرت التاريخانية الجديدة في الثمانينيات، بشكل أساسي من خلال أعمال الناقد ستيفن غرينبلات، واكتسبت تأثيراً واسعاً في التسعينيات.
نظرة عامة على المبادئ الأساسية
أشار هارولد أروم فيزر في مقدمة مختارات من المقالات عام 1989 إلى مجموعة من الافتراضات الأساسية التي تتكرر باستمرار في التاريخانية الجديدة، ومن أبرزها:
- أن كل فعل تعبيري مدمج في شبكة من الممارسات المادية.
- أن كل فعل كشف أو نقد أو معارضة يستخدم الأدوات التي يدينها، ويخاطر بالوقوع في فخ الممارسة التي يحاول فضحها.
- أن "النصوص" الأدبية وغير الأدبية تتداول بشكل لا ينفصل.
- أنه لا يوجد خطاب، سواء كان خيالياً أو أرشيفياً، يمنح الوصول إلى حقائق ثابتة أو يعبر عن طبيعة بشرية غير قابلة للتغيير.
- أن المنهج النقدي واللغة المستخدمة لوصف الثقافة تحت وطأة الرأسمالية يشاركان في الاقتصاد الذي يصفانه.
الدراسة السياقية والنصوص "دون الأدبية"
في إطار التاريخانية الجديدة، يتم التعامل مع النصوص "دون الأدبية" والنصوص غير الملهمة كوثائق للخطاب التاريخي، جنباً إلى جنب مع "الأعمال الأدبية العظيمة". ركز النقاد التاريخانيون الجدد، بقيادة ستيفن أورجيل، على فهم شيكسبير ليس كمؤلف عبقري مستقل بالمعنى الحديث، بل كوسيلة لإعادة بناء البيئة الثقافية لمسرح عصر النهضة، والتي كانت عبارة عن تعاون جماعي وسياسات اجتماعية معقدة في ذلك الوقت. بهذا المعنى، تُعتبر مسرحيات شيكسبير غير منفصلة عن السياق الذي كُتبت فيه.
تأثر هذا التوجه بمؤرخين بارزين مثل لين هانت وميشيل فوكو، حيث ساهمت أفكار فوكو حول القوة والخطاب في تشكيل هذا النهج كمدخل لما بعد الحداثة في دراسة التاريخ.
مقارنة مع الفنون الزخرفية
يمكن مقارنة هذا التحول في التركيز بدراسات الفنون الزخرفية؛ فبينما كانت الفنون الجميلة تُناقش من منظور شكلي بحت، بدأت مناقشات فنون التصميم منذ السبعينيات تأخذ في الاعتبار السياقات الاجتماعية والفكرية، مثل تقلبات تجارة السلع الفاخرة، وتوفر النماذج للحرفيين المحليين، والآفاق الثقافية للراعي، والاعتبارات الاقتصادية.
الخلفية النظرية والتأثيرات
تعتمد التاريخانية الجديدة في تفسيراتها السياسية والتاريخية على الماركسية، ولكن مع اختلاف جوهري؛ فبينما تميل الماركسية التقليدية إلى رؤية الأدب كجزء من "البنية الفوقية" التي تعكس "القاعدة الاقتصادية"، يتبنى التاريخانيون الجدد رؤية أكثر دقة للقوة، حيث لا يرونها مرتبطة حصراً بالطبقة الاجتماعية، بل منتشرة في جميع أنحاء المجتمع، وهي رؤية مستمدة أساساً من ميشيل فوكو.
تعتبر التاريخانية الجديدة شكلاً من أشكال ما بعد الحداثة المطبقة على التاريخ التفسيري، حيث ترى المجتمع كمجموعة من النصوص التي ترتبط ببعضها البعض، دون وجود قيمة أدبية "ثابتة" تتجاوز الطريقة التي تقرأ بها ثقافات معينة هذه النصوص في مواقف محددة.
التاريخانية الجديدة والمادية الثقافية
تتوسع التاريخانية الجديدة في نطاق التاريخ الأدبي التقليدي من خلال تبني منظور متعدد التخصصات، حيث تدمج مجموعة واسعة من المصادر الثقافية والنصية، بما في ذلك الوثائق غير الأدبية، المواد البصرية، الأفلام، الصور الفوتوغرافية، والطقوس اليومية. هي لا ترفض النصوص الكلاسيكية، بل تعيد وضعها في سياقها التاريخي والثقافي لإظهار المعاني التي قد تكون فُقدت أثناء عملية "التقديس" الأدبي.
تتشارك التاريخانية الجديدة مع المادية الثقافية في العديد من النظريات، لكن النقاد الماديين الثقافيين يميلون أكثر إلى التركيز على الآثار الحالية لدراساتهم ومواجهة هياكل القوة الحالية لتمكين المجموعات المهمشة، كما يقللون من أهمية التمييز بين الثقافة "الراقية" والثقافة "الشعبية".
أسئلة شائعة
ما هي التاريخانية الجديدة؟
هي نظرية أدبية تهدف إلى فهم الأدب من خلال سياقه الثقافي والتاريخي، وفهم التاريخ من خلال النصوص الأدبية، معتبرة أن النص لا ينفصل عن الممارسات الاجتماعية والمادية المحيطة به.
كيف تختلف التاريخانية الجديدة عن الماركسية التقليدية؟
بينما ترى الماركسية أن الاقتصاد هو القاعدة التي تحدد الأدب (البنية الفوقية)، ترى التاريخانية الجديدة أن القوة موزعة في كافة ممارسات المجتمع وليست مرتبطة فقط بالصراع الطبقي أو الاقتصادي.
من هو أبرز مؤسسي هذا المنهج؟
أبرز مؤسس لهذا المنهج هو الناقد ستيفن غرينبلات، الذي صاغ المصطلح ووظفه في دراساته النقدية.