الألغام الأرضية في شمال أفريقيا: الإرث التاريخي والمخاطر المستمرة

الألغام الأرضية في شمال أفريقيا: الإرث التاريخي والمخاطر المستمرة

تعد مشكلة الألغام الأرضية في منطقة شمال أفريقيا من التحديات الأمنية والإنسانية المزمنة، حيث يعود الجزء الأكبر من هذه الألغام إلى حملة شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من مرور عقود على انتهاء تلك الحرب، لا تزال هذه المخلفات تشكل خطراً داهماً على السكان المحليين، وقد تفاقمت المشكلة لاحقاً بسبب نزاعات إقليمية وحروب أهلية، مثل الحرب الليبية المصرية عام 1977 والحرب الأهلية الليبية عام 2011.

الجذور التاريخية وانتشار الألغام

بدأت أزمة الألغام في المنطقة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في 10 يونيو 1940 عندما أعلنت إيطاليا الحرب على بريطانيا وفرنسا، مما أدى إلى اشتباكات واسعة في المستعمرات الإيطالية بأفريقيا. شهدت المنطقة تحركات عسكرية مكثفة بين القوات الإيطالية والألمانية من جهة، والقوات البريطانية والأمريكية من جهة أخرى، وصولاً إلى هزيمة القوى المحورية في معركة العلمين الثانية أواخر عام 1942، وانتهاء الحملة في 12 مايو 1943.

خلال هذه العمليات العسكرية، اعتمدت كافة الأطراف المتصارعة على الألغام الأرضية لعرقلة تقدم العدو. وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة لإجمالي عدد الألغام المستخدمة، إلا أن مذكرات القائد الألماني إروين رومل تشير إلى زرع نحو 80,000 لغم في "خط بيرات" بليبيا وحده، مما يعطي مؤشراً على حجم الانتشار الواسع لهذه الأسلحة في المنطقة.

توزيع الألغام وتأثيراتها حسب الدول

جمهورية مصر العربية

تشير تقديرات بعض بعثات الأمم المتحدة إلى وجود نحو 19.7 مليون لغم في الصحراء الغربية بمصر. وقد بذلت الدولة جهوداً كبيرة في عمليات التطهير، إلا أن التحديات الجغرافية والمناخية زادت من صعوبة المهمة؛ حيث أوضح العالم أيمن شبانة أن العديد من الألغام تحركت من مواقعها الأصلية نتيجة الفيضانات، والتغيرات المناخية، وزحف الكثبان الرملية على مدار نصف قرن.

وفي إحصائية تعود لعام 1997، صرح اللواء إبراهيم عبد الفتاح، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية، بأن الألغام أدت إلى إصابة أو مقتل 8,301 شخص (مدنيين وعسكريين)، توزعوا بين 7,611 جريحاً و690 قتيلاً. وتعتمد عمليات التطهير حالياً على دمج الخرائط الميدانية القديمة (الإيطالية والألمانية) مع صور الأقمار الصناعية لتحديد المناطق الخطرة.

دولة ليبيا

تعاني ليبيا من إرث ثقيل من الألغام، حيث وثق "الكتاب الأبيض" الصادر عن الحكومة الليبية عام 1981 وقوع وفيات سنوية بسبب الذخائر غير المنفجرة والألغام منذ عام 1939 وحتى 1975 (باستثناء عامي 1969-1970)، وكان عام 1945 هو الأكثر دموية بـ 130 قتيلاً. وتتركز معظم حقول الألغام في المناطق الساحلية المكتظة بالسكان.

إلى جانب مخلفات الحرب العالمية الثانية، أضافت الحرب الليبية المصرية عام 1977 مزيداً من الألغام التي ظل بعضها نشطاً حتى عام 2006. كما شهدت الحرب الأهلية الليبية عام 2011 قيام نظام معمر القذافي بزرع ألغام لعرقلة تقدم القوات الثورية، مما زاد من تعقيد عمليات التطهير التي تحملت الحكومة الليبية تكاليفها في التسعينيات في ظل غياب المساعدات الأوروبية.

لغم أرضي تم العثور عليه بالقرب من بير حشيم عام 1990
لغم أرضي تم اكتشافه في ليبيا عام 1990
قنبلة يدوية غير منفجرة بالقرب من بير حشيم عام 1990
ذخيرة غير منفجرة عُثر عليها في ليبيا

الجمهورية التونسية

لعبت الألغام دوراً محورياً في إعاقة تقدم القوات الحليفة في تونس عام 1943؛ حيث تسببت الحقول الكثيفة التي زرعها المهندسون الإيطاليون والألمان في منع اعتراض الجيش الإيطالي أثناء تراجعه شمالاً، وأدت هذه الألغام إلى مقتل شخصيات عسكرية رفيعة مثل الجنرال إدوارد ويلفرت. ولا يزال الجيش التونسي يقوم باستخراج ما بين 200 إلى 300 لغم سنوياً من بقايا تلك الحقبة.

الصحراء الغربية

في سياق النزاع في الصحراء الغربية، قامت المغرب ببناء جدار رملي (ساتر ترابي) يمتد بطول 2,700 كيلومتر، تحيط به حقول ألغام وأبراج مراقبة للفصل بين المنطقة التي يسيطر عليها المغرب و"المنطقة الحرة". وقد أسفرت هذه الألغام عن مقتل وإصابة آلاف الأشخاص، بالإضافة إلى خسائر كبيرة في الماشية من إبل وماعز.

الجهود الدبلوماسية والمعاهدات

على الرغم من اشتراك دول المنطقة في هذه المعاناة، إلا أن غياب التنسيق الدبلوماسي الموحد مع الدول التي كانت طرفاً في النزاعات (إيطاليا، ألمانيا، بريطانيا) أضعف من قدرتها على المطالبة بعمليات تطهير شاملة أو تعويضات عن الأضرار. وفي هذا الإطار، وقعت تونس على "اتفاقية أوتاوا" في ديسمبر 1997، وهي المعاهدة الدولية التي تحظر استخدام الألغام الأرضية في الحروب.

أسئلة شائعة

ما هي المصادر الرئيسية للألغام الأرضية في شمال أفريقيا؟

المصدر الأساسي هو حملة شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية (1940-1943)، بالإضافة إلى نزاعات لاحقة مثل الحرب الليبية المصرية عام 1977 والحرب الأهلية الليبية عام 2011، والنزاع في الصحراء الغربية.

لماذا يصعب تطهير الألغام في مصر وليبيا؟

بسبب العوامل الطبيعية مثل زحف الرمال والفيضانات التي تؤدي إلى تحرك الألغام من مواقعها الأصلية، بالإضافة إلى عدم دقة أو اكتمال بعض الخرائط العسكرية القديمة.

ما هي اتفاقية أوتاوا وعلاقتها بتونس؟

اتفاقية أوتاوا هي معاهدة دولية تحظر استخدام وتخزين وإنتاج الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وقد وقعت عليها تونس في ديسمبر 1997 كجزء من التزامها بإنهاء هذا الخطر.

كيف يتم تحديد مواقع الألغام حالياً في مصر؟

يتم ذلك من خلال دمج الخرائط الميدانية القديمة التي تركها الجيشان الإيطالي والألماني مع تقنيات حديثة مثل صور الأقمار الصناعية.