فن التجهيز في الفراغ: تحويل المساحات إلى تجارب فنية

فن التجهيز في الفراغ (Installation Art)
يُعرف فن التجهيز في الفراغ، أو ما يسمى أحياناً بـ "التجهيزات" أو "البيئات الفنية"، بأنه نوع من الفنون البصرية ثلاثية الأبعاد التي غالباً ما تكون مرتبطة بموقع محدد، وتهدف إلى تحويل إدراك المشاهد للمساحة المحيطة به. بينما يُستخدم هذا المصطلح عادةً للإشارة إلى الأعمال التي تُقام في المساحات الداخلية، فإن التدخلات الفنية في المساحات الخارجية غالباً ما تُسمى "الفن العام" أو "فن الأرض"، ومع ذلك، تظل الحدود بين هذه المصطلحات متداخلة.

تاريخ فن التجهيز
يمكن أن يكون فن التجهيز مؤقتاً أو دائماً، ويتم تنفيذه في أماكن متنوعة تشمل المتاحف، صالات العرض، والمساحات العامة والخاصة. يدمج هذا النوع من الفن مجموعة واسعة من المواد اليومية والطبيعية التي يتم اختيارها لخصائصها "الإيحائية"، بالإضافة إلى الوسائط الجديدة مثل الفيديو، الصوت، الأداء، الواقع الافتراضي الغامر، والإنترنت.
تعتبر العديد من هذه الأعمال مرتبطة بالموقع (site-specific)، بمعنى أنها صُممت لتوجد فقط في المساحة التي خُلقت من أجلها. وقد ساهمت تجمعات فنية مثل "مختبر المعارض" في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك في خلق بيئات تعرض العالم الطبيعي بأكثر الوسائل واقعية ممكنة. كما اتبعت شركة "والت ديزني إيماجينيرينج" فلسفة مشابهة عند تصميم المساحات الغامرة في ديزني لاند عام 1955.
برز فن التجهيز بشكل واضح في السبعينيات، لكن جذوره تمتد إلى فنانين سابقين مثل مارسيل دوشامب واستخدامه للأشياء الجاهزة (ready-made)، وكورت شويتيرز وأعماله الفنية من نوع "ميرز". ويعد "قصد" الفنان عنصراً أساسياً في فن التجهيز المتأخر الذي تعود جذوره إلى الفن المفاهيمي في الستينيات، وهو ما يمثل خروجاً عن النحت التقليدي الذي يركز على الشكل.

مفهوم التجهيز والبيئة الفنية
دخل مصطلح "التجهيز" (Installation) كاسم لشكل محدد من الفن في وقت قريب نسبياً، حيث وثقت قاموس أكسفورد الإنجليزي استخدامه الأول في عام 1969. وقد استخدم ألان كابرو مصطلح "البيئة" (Environment) في عام 1958 لوصف مساحاته الداخلية المحولة.
يعتمد فن التجهيز/البيئة على تقديم تجربة حسية أوسع، بدلاً من مجرد التركيز على نقاط محددة داخل إطارات معلقة على جدار "محايد" أو عرض أشياء معزولة على منصات. هذا التوجه يجعل من المساحة والزمن الثوابت البعدية الوحيدة، مما يؤدي إلى تلاشي الخط الفاصل بين "الفن" و"الحياة".
العمل الفني الشامل (Gesamtkunstwerk)
ظهر المفهوم الواعي لمخاطبة جميع الحواس لتحقيق تجربة كلية في عام 1849 عندما تصور ريتشارد فاغنر ما يسمى بـ "Gesamtkunstwerk"، وهو عمل أوبرالي للمسرح يستلهم من المسرح اليوناني القديم من خلال دمج جميع أشكال الفن الرئيسية: الرسم، الكتابة، والموسيقى. في تصميم أعماله، لم يترك فاغنر شيئاً للصدفة؛ فقد تم التلاعب بالهندسة المعمارية، والأجواء، وحتى الجمهور نفسه لتحقيق حالة من الانغماس الفني الكامل.
في الثمانينيات والتسعينيات، تميزت التجهيزات الفنية بشكل متزايد بشبكات من العمليات التي تتضمن التفاعل بين الإعدادات المعمارية المعقدة، والمواقع البيئية، والاستخدام المكثف للأشياء اليومية في سياقات عادية. ومع ظهور الفيديو في عام 1965، تطور هذا المسار ليشمل تقنيات تفاعلية معقدة، ووسائط متعددة، وبيئات واقع افتراضي.
الفن والشيئية (Art and Objecthood)
في مقالته "الفن والشيئية"، وصف مايكل فريد الفن الذي يعترف بوجود المشاهد بأنه "مسرحي". وهناك توازي قوي بين فن التجهيز والمسرح؛ فكلاهما يخاطب مشاهداً يُتوقع منه أن يكون منغمساً في التجربة الحسية/السردية التي تحيط به، مع الحفاظ في الوقت نفسه على درجة من الوعي بهويته كمشاهد. يتميز فن التجهيز بوجود مشاهد فضولي ومستكشف، يدرك أنه في بيئة عرض، لكنه يستكشف بجرأة الكون الجديد الذي خلقه الفنان.
أسئلة شائعة
ما هو الفرق بين فن التجهيز والفن العام؟
بينما يركز فن التجهيز عادةً على المساحات الداخلية لتحويل إدراك الفراغ، فإن الفن العام أو فن الأرض غالباً ما يشير إلى التدخلات الفنية التي تتم في المساحات الخارجية المفتوحة، رغم وجود تداخل كبير بينهما.
هل يمكن نقل أعمال فن التجهيز من مكان لآخر؟
يعتمد ذلك على نوع العمل؛ فبعض الأعمال تكون "مرتبطة بالموقع" (Site-specific)، مما يعني أنها صُممت خصيصاً لمساحة معينة ولا يمكن نقلها دون تغيير جوهرها، بينما هناك أعمال أخرى يمكن إعادة تركيبها في أماكن مختلفة.
ما هي المواد المستخدمة في فن التجهيز؟
يستخدم الفنانون مجموعة واسعة من المواد، بدءاً من المواد الطبيعية والأشياء اليومية البسيطة، وصولاً إلى الوسائط التكنولوجية المتقدمة مثل الصوت، الفيديو، والواقع الافتراضي.