الخلق من العدم: مفهوم Creatio ex nihilo في الأديان والفلسفة
الخلق من العدم (Creatio ex nihilo)
يُعرف مفهوم الخلق من العدم (باللاتينية: Creatio ex nihilo) أو "النيهيلوجونيا" بأنه العقيدة التي تنص على أن المادة ليست أزلية، بل تم خلقها من خلال فعل إلهي إبداعي. يمثل هذا المفهوم إجابة ثيولوجية (لاهوتية) على سؤال كيفية نشأة الكون، وهو يقف في تضاد تام مع مفهوم الخلق من مادة (Creatio ex materia) أو المذهب التأسيسي الذي يرى أن كل شيء تشكل من مواد كانت موجودة مسبقاً.
الخلق من مادة (Creatio ex materia)
يشير مصطلح الخلق من مادة إلى الفكرة القائلة بأن المادة كانت موجودة دائماً، وأن الكون الحالي هو مجرد إعادة تشكيل لمادة بدائية أزلية. تعتمد هذه الرؤية غالباً على المبدأ الفلسفي الذي يقول إن "لا شيء يأتي من لا شيء" (ex nihilo nihil fit).
الكونيات في الشرق الأدنى القديم
في تصورات الشرق الأدنى القديم، تشكل الكون من مادة أزلية غير متبلورة، كانت غالباً على شكل محيط بدائي من الفوضى:
- الميثولوجيا السومرية: جسدت الإلهة "نامو" هذا المحيط الكوني الذي ولد السماء والأرض.
- الملحمة البابلية (إنوما إيليش): تشكل الكون من تمازج المياه العذبة (أبسو) والمياه المالحة (تيامات)، حيث قام الإله مردوخ بخلق السماء والأرض من جسد تيامات.
- الميثولوجيا المصرية: ظهر الإله "نون" كمحيط مائي بدائي مرتبط بالظلام، ومنه انبثقت التلة البدائية أو زهرة اللوتس.
- التقاليد اليونانية: تعود أصول الكون في بعض الروايات إلى "أوقيانوس" (النهر الذي يحيط بالأرض) أو الليل أو الماء.

الخلق في سفر التكوين
يبدأ سرد الخلق في سفر التكوين بالعبارة العبرية bereshit bara elohim et hashamayim ve'et ha'aretz، والتي يمكن تفسيرها بثلاث طرق رئيسية:
- بداية مطلقة: أن الكون كان له بداية زمنية ومادية مطلقة (في البدء خلق الله السماوات والأرض).
- وصف حالة العالم: أن الله بدأ الخلق بينما كانت الأرض في حالة من عدم التشكل (عندما بدأ الله خلق السماوات والأرض، كانت الأرض خربة...).
- معلومات خلفية: أن الأرض كانت غير متبلورة عندما خلق الله السماوات والأرض، ثم قال "ليكن نور".
بينما يمثل الخيار الأول الرؤية التقليدية، يرى بعض المفسرين والعلماء أن النصوص القديمة ربما كانت تهتم بإعطاء "شكل ووظيفة" للفراغ بدلاً من خلق المادة من العدم، بما يتماشى مع قصص الخلق في الشرق الأدنى القديم.
الخلق من العدم في الأديان والفلسفات
تؤكد عقيدة الخلق من العدم أن الله خلق كل المادة من لا شيء في فعل تأسيسي أدى إلى وجود الكون. وقد رفض الفلاسفة اليهود، وآباء الكنيسة، والفلاسفة المسلمون نظرية "الفيض" (Emanationism) التي طرحها أفلوطين، والتي كانت ترى الكون كفيض عن الذات الإلهية وليس خلقاً من العدم.
الأديان الأفريقية التقليدية
تميل معظم الأديان الأفريقية التقليدية إلى تفضيل الخلق من مادة. فهي غائبة في ديانات الأكان، والأتشولي، واليوروبا. ومع ذلك، يشير الفيلسوف الغاني كواسي ويريدو إلى أن بعض الشعوب مثل الشونا والنور والبانيارواندا يؤمنون بمفهوم الخلق من العدم.
الروحانية في ثقافة الباكونغو
يؤمن شعب الباكونغو أن العالم في بدايته كان "مبونغي" (mbûngi)، وهو فراغ أو تجويف خالٍ من الحياة المرئية. قام الإله الخالق "نزامبي" وشريكته "نزامبيسي" بخلق شرارة نار تسمى "كالونغا" ووضعوها داخل هذا الفراغ. تمددت هذه الطاقة حتى انفجرت، مما أدى إلى تناثر الكتل التي بردت لاحقاً لتشكل الكواكب والحياة. يصف الباكونغو هذه العملية بأنها "الله خلق وطبخ العجين"، مما يجعل "كالونغا" أصل الحياة ومحرك التغيير المستمر في الكون.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين Creatio ex nihilo و Creatio ex materia؟
الخلق من العدم (ex nihilo) يعني أن الله خلق الكون من لا شيء على الإطلاق، بينما الخلق من مادة (ex materia) يعني أن الله استخدم مادة بدائية أزلية لتشكيل الكون.
كيف يفسر سفر التكوين بداية الخلق؟
هناك عدة تفسيرات؛ التقليدي يرى أنها بداية مطلقة من العدم، بينما يرى بعض العلماء أنها تصف عملية إعطاء شكل لمادة كانت موجودة مسبقاً (فوضى مائية).
هل تؤمن جميع الأديان الأفريقية بالخلق من العدم؟
لا، معظم الأديان الأفريقية التقليدية تميل إلى مفهوم الخلق من مادة، لكن هناك استثناءات في بعض الثقافات مثل الشونا والنور.