مدرج أستلي: مهد السيرك الحديث في لندن
مدرج أستلي: مهد السيرك الحديث في لندن
يُعد مدرج أستلي (Astley's Amphitheatre) أحد أبرز المعالم التاريخية في لندن، حيث افتتحه فيليب أستلي في عام 1773. ويُعتبر هذا المكان هو الحلقة الأولى في نشأة السيرك الحديث كما نعرفه اليوم، حيث وضع أستلي الأسس التنظيمية والمكانية للعروض السيركية.
تاريخ المدرج وتقلباته
شهد مدرج أستلي سلسلة من التحديات والحرائق التي كادت أن تمحوه من الوجود، إلا أنه كان يعود في كل مرة بقوة أكبر. افتتح المدرج في عام 1773، ولكن سرعان ما اندلع حريق في عام 1794 أدى إلى تدميره، ليتم إعادة بنائه في أقل من سبعة أشهر. وفي عام 1803، تعرض المدرج لحريق آخر، مما دفع أستلي لإعادة بنائه مرة أخرى، وهذه المرة بتصميم أكثر فخامة يحاكي أسلوب منافسه تشارلز هيوز في "السيرك الملكي"، وبديكورات باذخة ومسرح يُقال إنه كان الأكبر في لندن آنذاك.
مع مرور الوقت، تطور المكان ليصبح "مدرج أستلي الملكي"، واستمرت شعبيته حتى بعد وفاة فيليب أستلي في عام 1814. تولى ابنه جون أستلي الإدارة، واستقطب فنانين مشهورين مثل مدام ساكي في عروض الحبل المشدود. لاحقاً، انتقلت الملكية إلى شركاء ومديرين مختلفين، منهم ويليام باتي الذي أعاد بناء المدرج بالكامل من موارده الخاصة بعد حريق ثالث، وشهدت فترة إدارته ظهور بابلو فانك، أول صاحب سيرك أسود في لندن عام 1847.
في عام 1863، تم تحويل المدرج إلى "المسرح الملكي" من قبل ديون بوسي كولت، لكن التجربة باءت بالفشل وأدت إلى ديونه الكبيرة. وفي النهاية، اشترى اللورد جورج سانجر المدرج في عام 1871، وأداره تحت اسم "مدرج سانجر" لأكثر من عشرين عاماً، قبل أن يتم هدم المبنى نهائياً في عام 1893.

التصميم المعماري والهندسي
بعد إعادة البناء الثالثة، أصبح المدرج صرحاً معمارياً مهيباً. كانت الجدران الخارجية بطول 148 قدماً، مما جعله أكبر مبنى من نوعه في لندن في ذلك الوقت. تم تصميم الجزء الداخلي بشكل مثمن الأضلاع، مع مسرح أمامي محاط بصناديق ومقصورات للمتفرجين.
أهم ابتكار قدمه أستلي هو حلقة السيرك؛ حيث بدأ بقطر 62 قدماً، ثم استقر على قطر 42 قدماً (حوالي 13 متراً)، وهو المعيار الدولي الذي لا يزال متبعاً في السيرك حتى يومنا هذا. تم دعم الدوائر بواسطة ثمانية أعمدة دورية وستة وأربعين عموداً كورنثياً مطلية باللونين الأبيض والذهبي، مع استخدام ألوان الأبيض والليموني والأخضر والذهبي في الديكورات، وستائر قرمزية فاخرة للمقصورات الخاصة.


المدرج في الثقافة الشعبية
ترك مدرج أستلي أثراً عميقاً في الثقافة والأدب، حيث ورد ذكره في أعمال كبار الكتاب:
- جين أوستن: في روايتها "إيما" (1815)، يكون زيارة المدرج سبباً في المصالحة والخطوبة بين روبرت مارتن وهارييت سميث.
- تشارلز ديكنز: كتب قصة قصيرة بعنوان "أستلي" في كتابه "رسومات بواسطة بوز" (1836)، كما وصف أمسية في المدرج في روايته "دكان الفضول القديم"، وذكره في "أوقات عصيبة" و"بيت بليك هاوس".
- تراسي شيفالير: تدور أحداث روايتها "Burning Bright" (2007) في مدرج أستلي بين عامي 1792 و1793.
على الرغم من عدم وجود أثر مادي للمبنى اليوم، إلا أن هناك لوحة تذكارية في حديقة مستشفى سانت توماس، تذكر المارة بأن هذا المكان كان يوماً ما موطناً لأول سيرك حديث في العالم.
أسئلة شائعة
من هو مؤسس مدرج أستلي؟
مؤسس مدرج أستلي هو فيليب أستلي، الذي افتتحه في عام 1773 في لندن.
ما هي أهمية مدرج أستلي في تاريخ السيرك؟
أنه أول مكان قدم مفهوم حلقة السيرك الحديثة وبمقاسات معيارية أصبحت عالمية.
هل لا يزال مدرج أستلي قائماً اليوم؟
لا، تم هدم المبنى في عام 1893، ولكن توجد لوحة تذكارية في حديقة مستشفى سانت توماس في لندن للإشارة إلى موقعه.